الشيخ محمد رشيد رضا
439
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والانف والحركة ، فإسلام الوجه للّه هو تركه له بأن يتوجه اليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته ، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الايمان ، وأما الاحسان فهو إحسان العمل - خلافا للجلال فيهما إذ عكس - واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار اليه في قوله عز وجل « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ » فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت ، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله ، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا أي اصطفاه لتوحيده وإقامة دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم فكان إبراهيم خالصا مخلصا للّه ، وبهذا المعنى سماه اللّه خليلا ، وإذا أراد اللّه ان يكرم عبدا من عباده اطلق عليه ما شاء ، والا فان المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه اللّه عنه فان الخلة بين الخليلين انما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط اه أقول يطلق الخليل بمعنى الحبيب أو المحب لمن يحبه إذا كانت هذه المحبة خالصة من كل شائبة بحيث لم تدع في قلب صاحبها موضعا لحب آخر ، وهو من الخلة ( بالضم ) أي المحبة والمودة التي تتخلل النفس وتمازجها كما قال الشاعر قد تخللت مسلك الروح مني * وبه سمي الخليل خليلا واللّه يحب الأصفياء من عباده ويحبونه وقد كان إبراهيم كامل الحب للّه ولذلك عادى أباه وقومه وجميع الناس في حبه تعالى والاخلاص له . وقيل إن الخليل هنا مشتق من الخلة ( بفتح الخاء ) وهي الحاجة لأن إبراهيم ما كان يشعر بحاجته إلى أحد غير اللّه عز وجلّ حتى قال في الحاجات العادية التي تكون بالتعاون بين الناس « الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ » والأول أظهر وأكمل ، والمراد بذكر هذه الخلة الإشارة إلى أعلى مراتب الايمان التي كان عليها إبراهيم